أحزاب الشيخوخة ودورها في الانتخابات
الدكتور عادل عامر
إن بعض المرشحين يشترون التوكيلات من المواطنين بأسعار وصلت إلى 220 جنيها للتوكيل، بينما حذر الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح من أن محاولات بدأت بالفعل لتزوير إرادة الشعب، وتوجيهه نحو مرشح معين. وفى نفس السياق أن قيادات سياسية وحزبية ومستقلة تكثف جهودها فى محاولة لإقناع عدد من مرشحي الرئاسة المحسوبين على "معسكر الثورة" تشكيل فريق رئاسي، يخوض المعركة الانتخابية لمواجهة المرشحين الرئاسيين المحسوبين على النظام القديم. أن المحكمة الدستورية العليا أكدت أن مشروع تعديل أحكام قانون الانتخابات الرئاسية يتفق وأحكام الإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس الماضي، وأن اللجنة العليا للانتخابات الرئاسية هي المنوطة بإعلان النتيجة النهائية لانتخابات رئيس الجمهورية. أن المحكمة أكدت أن عدم حضور ممثلين لمنظمات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام، خلال أداء اللجان العامة والفرعية مهام أعمالها في مراحل الاقتراع والفرز، لا يترتب عليه بطلان عمل اللجان، ما لم يكن عدم حضورها راجعا لقرار صادر من رئيس اللجنة دون وجه حق.
يمكن القول أن "البرغماتية" هي العنوان الرئيسي المشترك، كما تشير الوقائع والتحولات، بين سياسة الولايات المتحدة وتكتيكات الإخوان، وهذا ليس عيباَ في حقل الممارسة السياسية. بالنسبة للأمريكان لا يوجد موقف ثابت إزاء الإخوان المسلمين أو غيرهم، وإنما توجد لديهم مواقف متغيرة، وهي النظرية التي ترى أن أنجع وسيلة لانحسار "التطرف" في الشرق الأوسط هي فتح الباب للمعارضة الإسلامية المعتدلة، غير العنيفة، للمشاركة في الحياة السياسية ، ويبدو أن هذه النظرية مرشحة للتفعيل، بكل ما سينجم عن ذلك من تغيرات في التحالفات والتكتيكات، وهذا يعني أن الإدارة الأمريكية ستضع جماعة الإخوان المسلمين تحت الاختبار في الفترة المقبلة . جماعة الأخوان بدورها بدأت في بث رسائل وإشارات لطمأنة الأمريكيين وتبديد خوفهم ، إذ كان الموقف السابق للجماعة رافضاَ للحوار مع أمريكا قبل سعي هذه الأخيرة لتغيير سياساتها في المنطقة ، ثم أصبح موقفها يتحدد بأنها لن تدير أي حوار مع أمريكا إلا من خلال الخارجية المصرية أو في وجود ممثلين عنها، وإعلان الجماعة مؤخرا عن التزامها بالمعاهدات والاتفاقيات التي أبرمتها الدولة المصرية مع إسرائيل، ولنسمع مؤخراَ عن فتح حوار سري من قبل عدد من أعضاء الجماعة المنتخبين مع أعضاء من الكونغرس الأمريكي .
يمكن فهم هذه الوسائل والإشارات في سياق العملية الانتخابية، وفي سياق التكتيك السياسي والدبلوماسية، طالما لم تتمخض عن شيء ذي بال. لكن إذا كانت الجماعة ، شأنها شأن أي قوة سياسية، محكومة باعتبارات الخارج وسياساته، فإنها محكومة أيضاَ، وبدرجة أكبر، بالأوضاع الداخلية وتوازناتها وتوجهات الرأي العام، لذا ينبغي الانتباه إلى أن جزءاَ من التأييد الذي حصلت عليه جماعة الإخوان المسلمين يعود إلى الصورة التي حاولت رسمها لنفسها، باعتبارها معادية للسياسة الأمريكية وإسرائيل، وبالتالي سيكون من الصعب حدوث انقلاب جذري في هذا التوجه، لأن من شأن ذلك إلحاق ضرر سياسي كبير بها ينال من شعبيتها ومن حظوظها في الداخل .
يقيناَ أن السلطة المصرية وحزبها المخلوع والمحلول يتحملان المسؤولية الأكبر عن هشاشة الحياة الحزبية في مصر، إذ ما كان ذلك ليحدث لولا إفراغ الحياة السياسية من مضمونها بتقييد المعارضة وتجفيف منابعها وحركتها، بل والسعي المقصود لبث عدم الثقة بالأحزاب والحياة الحزبية بين الناس ، وفي هذا السياق نذكر مثلاَ إعطاء رخصة حزب سياسي إلى عائلة أحمد الصباحي الموظف المصري الذي يشتغل بقراءة الكف والفنجان ، وأعضاء حزبه الذين لم يتجاوز عددهم المائة طوال هذه السنين ، تنتهي معظم أسمائهم بلقب الصباحي ، في حين حرمت قوى ناصرية أو ليبرالية أو إسلامية من حق الحصول على رخصة حزب لأنها، على ما يبدو، لم ترق إلى مستوى أحمد الصباحي .
هذا لا يمنع من رؤية مسؤولية الأحزاب المصرية عن هذه النتيجة البائسة. فهذه الأحزاب، على ما يبدو، ركنت إلى واقعها وتأقلمت مع واقع الكسل، ولم تسع لعمل سياسي جاد بعيدا عن الوجاهة والشعارات والمصالح الضيقة، كما إن بعضها مطمئن إلى مهنة الارتزاق السياسي.
لقد دخلت هذه الأحزاب في المعركة الانتخابية بغير إعداد مسبق ، محرومة من قواعد جماهيرية قوية، وهذا ليس فقط نتيجة التضييق على نشاطاتها الحزبية، بل أيضاَ بحكم مشكلاتها الداخلية، والتي تتمثل في شيخوخة القيادات، وعدم قدرتها على التطور، وتحجيمها للديمقراطية الحزبية، والانفراد باتخاذ القرار داخل كل حزب، والتضحية بأجيال الوسط من الشباب الذين كانت لديهم القدرة على تجديد شباب الأحزاب .
إلا أن هذه المجموعات النشطة في ديناميكية الإصلاح السياسي، وإن تمكنت من بناء قوة ضغط فعلية كان لها بعض الأثر في تقديم النظام المصري للتنازلات الأخيرة التي حسنت نسبياَ من قواعد المنافسة الانتخابية، لم تنجح في تحويل مكاسبها المذكورة إلى رصيد سياسي قابل للتوظيف والاستثمار، ويدل على ذلك محدودية استقطاب حركة كفاية للجموع الشعبية، على الرغم من الضجيج الإعلامي الواسع الذي واكب نشاطها في تجمعاتها الصغيرة وسط القاهرة، إذ لم تتجاوز هذه التجمعات بعض رموز المجتمع المدني، وعناصر من الوسطين الفني والإعلامي .
عناصر البيئة السياسية المصرية ، من سلطة تريد الاستئثار بالحكم ولا تقدم التنازلات في الداخل إلا مضطرة، ومن أحزاب معارضة هشة ومقيدة ، ومن تيار ديني ناشط، تكاد لا تختلف عن العناصر الموجودة في بلدان أخرى، فالساحة المصرية ليست بالاستثناء، بل إن الظاهرة نفسها تكاد لا تختلف من بلد عربي إلى آخر .
فبرامج الإصلاح التي تتخذ من جانب واحد، و تفصل على مقاس طرف محدد، لا يمكن النظر إليها إلا بوصفها مناورات لإقصاء الإصلاح الحقيقي. لكن هذا التجاذب بين الانخراط المجبر للنظام في الإصلاح و رغبته الحقيقية في الاستمرارية و تفريغ أي تغيير من مضامينه الجوهرية، يقود تدريجيا إلى تآكل النظام السياسي، و هنا تصبح الاحتمالات مفتوحة الأبواب.
***أظهرت الانتخابات وجود تنازع قطبي ثنائي بين نظام يعاني أزمة شرعية و تيار إسلامي نشط و ديناميكي، لكن رغم هذا التقييم العام و الصحيح لمجمل التغييرات الحاصلة في مصر، إلا أنه يمكن القول أن الانتخابات النيابية المصرية انطوت على مجموعة من الإيجابيات ، رغم ما أحاط بها من قصور، ، مثلما قدمت عدداَ من المؤشرات حول مستقبل الإصلاح السياسي والحياة السياسية في مصر ، وحددت المستلزمات المطلوبة و الضرورية أمام مختلف القوى والتيارات السياسية .
بالنسبة لجماعة الإخوان المسلمين والتيار السلفي ، فقد أثار نجاحهما ردود أفعال متباينة في الشارع المصري، وفي أوساط النخبة السياسية والمثقفة حول ماذا سيكون عليه شكل الأداء البرلماني في الدورة المقبلة، بالإضافة إلى التخوف السائد والمشروع من تكرار الإخوان لنموذج الثورة الإيرانية إذا ما توافرت لهم أسباب القوة والسلطة .
هذا يتطلب من جماعة الأخوان تبديد هذا القلق الطبيعي الناشئ عند فئات اجتماعية مختلفة، ومنها الأقباط وفئات إسلامية أخرى لا تنتمي للجماعة ، أي لا بد من التخلي عن التوجه الذي يدعو إلى " أسلمه " الدولة والمجتمع وقيام دولة دينية.
ما يواجه الجماعة مستقبلاَ هو ضرورة التحول من الحزب الديني أو الطرح الديني إلى حزب سياسي ذي مرجعية دينية، يمارس السياسة وفقاَ للدساتير ولقواعد اللعبة السياسية، كما هو الحال في الأحزاب الديمقراطية المسيحية في الغرب، وفي بلدان أخرى قريبة كتركيا والمغرب، عندما تحولت جماعات الإخوان المسلمين إلى أحزاب مدنية تمارس الديمقراطية، وعلى استعداد لتداول السلطة وهذا يتطلب من ضمن ما يتطلبه التخلي عن الشعارات الدينية لصالح شعارات سياسية قابلة للنقد والمراجعة، وعدم شهر السيوف في وجوه المنتقدين لهذه الشعارات أو المختلفين معها . باختصار فإن جماعة الإخوان المسلمين أصبحت مطالبة، خاصة مع خروجها للعلن ونجاحها في الانتخابات، بالتحول من جماعة أيديولوجية إلى جماعة سياسية، لأن ما سيقرر مستقبلهم في الدرجة الأولى هو برامجهم وسياساتهم. وهنا بالمقابل يلزم اعتراف المتخوفين من نجاح الجماعة أن صعود التيار الديني إلى السطح وخروجه إلى النور أمر له دلالات إيجابية عديدة على صعيد الحياة السياسية، إذ لا يمكن إنكار أن مشاركة الجماعة رفعت كثيرا من سقف التعبير وحرية الحركة، كما أن هذا النجاح سوف يلزمها بتقديم برامج واقعية جادة ومقنعة لتحديات المرحلة المقبلة، بدلاَ من آليات النفخ الأيديولوجي، واللعب على وتر توصيف نفسها بالضحية التي تعرضت في السابق للمنع والاضطهاد ، وهي الآليات التي تكسبها الكثير من الأنصار دون استحقاق سياسي حقيقي .
مصر ما بعد الانتخابات النيابية الأخيرة أصبحت بحاجة إلى " عقد اجتماعي جديد " تصدر في ضوئه قوانين وتشريعات جديدة تسمح للجميع بالتنافس الديمقراطي الحر. المغزى الرئيسي للانتخابات الأخيرة هو أن الطريقة التي تحكم بها مصر يتعين أن تتغير، لأن تحولات كبرى حدثت في المجتمع المصري، وفي الجوار، وفي المجتمع الدولي برمته، ولأن هذا الثبات ما عاد يتوافق مع روح العصر وقيمه
تعليقات
إرسال تعليق